أبرز العناوينمقالات خاصة

نتنياهو يسابق التطورات… هل يهرب إلى لبنان؟

كتب داني مطر

يتأرجح المشهد على الجبهة الشمالية ل “إسرائيل” بين التعايش مع المستوى المرتفع من المخاطر التي تتسبب بها العمليات العسكرية لحزب الله انطلاقاً من الحدود اللبنانية الشمالية، أو الانتقال إلى مرحلة الحرب الشاملة التي ما انفك مسؤولون إسرائيليون عسكريون وسياسييون يهددون بها بشكل متزايد في الأيام الأخيرة، ربطاً بالضغط الكبير الذي يمارسه مستوطنو المستوطنات المحاذية للحدود مع لبنان الذين يصرّون على رفض العودة قبل تراجع “قوة الرضوان (قوات النخبة في حزب الله) إلى ما وراء نهر الليطاني، حتى في حال توقّف الحرب في غزة. هذا القلق الوجودي لدى مستوطني الشمال تبرره خشيتهم من تكرار “سيناريو السابع من أكتوبر” في مستوطناتهم، ما بات يستدعي من تل أبيب إيجاد حل لهم رغم خياراتها المحدودة للتعامل مع هذا الواقع.
وعلى عكس التقدير الإسرائيلي الذي سرى الشهر الماضي والذي يقول إن حزب الله بات “مرتدعاً وغير معنيّ بحرب شاملة وواسعة”، فإن تصاعد حدة التوتر الأمني على الجبهة الشمالية يعزز السيناريو الذي طرحه وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، بضرورة توجيه ضربة استباقية للحزب. في الوقت نفسه بدأت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية استخلاص العبر من التصور الأمني حيال حركة حماس في قطاع غزة “بأنها مرتدعة وغير معنية بحرب شاملة” والتي انهارت بالهجوم المفاجئ في السابع من أكتوبر 2023، ما يعزز التقديرات بأن “إسرائيل” تتجه إلى سيناريو حرب شاملة على الجبهة الشمالية مع لبنان.
ومع تعثّر الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه المعلنة من الحرب على غزة، بدأت الأصوات تتعالى في “إسرائيل” مطالبة بـ”فكّ الارتباط” بين الجنوب والشمال. أي، نقل الحملة العسكرية إلى الشمال لمحاولة تحقيق نصر استراتيجي هناك يعوّض الفشل المتواصل في غزة. تعبر هذه الأصوات عن اتجاه متنامٍ في “إسرائيل” بدأ يرى بأن القضاء على خطر حزب الله شمالاً يجب أن يكون عبر القوة العسكرية، خصوصاً مع تعثّر الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية لإيجاد صيغة مناسبة لوقف التوترات بين جنوب لبنان وشمال “إسرائيل”، بفعل إصرار حزب الله على رفض الانخراط في أي مفاوضات قبل توقف العدوان على غزة، ورفضوا إبعاد قوة الرضوان الى ما وراء الليطاني، كثابتتين أساسيتين من ثوابت أي “مبادرة” أميركية في هذا السياق.
وقد عطّل رفض حزب الله هذه الجهود الدبلوماسية التي انخرطت فيها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، وعطّل الضغوط التي مورست من قبلهما على لبنان لمحاولة إجبار حزب الله على القبول بتطبيق القرار ١٧٠١ مقابل إدخال قوة دولية إلى منطقتي مزارع شبعا وشمالي قرية الغجر، وقد وصل الأمر بتهديد لبنان بتطبيق القرار بالقوة، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة لفرض قرارات المنظمة الدولية. لكن حزب الله يصرّ على أن هذا المطلب إسرائيلي وبالتالي، لن تنجح “تل أبيب” عبر واشنطن وغيرها في فرض أيّ مخطط مرتبط بجنوب الليطاني، مهما ارتفعت تهديداتهم. ويؤكد على أن جبهة جنوب لبنان مرتبطة بجبهة غزة، ولن يكون هناك أيّ حديث طالما الحرب الإسرائيلية على غزة مستمرة.
بدورها، تعرف “تل أبيب” أن فرض الخيارات على حزب الله مسألة صعبة التحقيق. وحتى لو اتجهت مع حلفائها إلى مجلس الأمن لتعديل القرار ١٧٠١ وإدراجه ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فإنهم لا يضمنون ألا يستخدم أحد الأعضاء الدائمين للمجلس، وتحديداً روسيا والصين، حق النقض “الفيتو” ضد إقراراه، وحتى لو تمكنوا من تمريره، فإمكانية تطبيقه بالقوة هي مسألة خطيرة رغم محدوديتها، وقد تؤدي إلى اندلاع حرب تحاول واشنطن على وجه التحديد تجنبها، رغم انخراطها المتزايد في صراعات المنطقة إن في اليمن أو في العراق، تحت تأثير الحرب الإسرائيلية على غزة.
هنا، لا يبقى أمام “تل أبيب” في ظل هذا الواقع المعقّد سوى الخيار العسكري، ولكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، فلدى حزب الله قدرات عسكرية كبيرة، وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد، ففتح جبهة الحرب معه قد يعني فتح جبهات أخرى بصورة أعنف وأقوى، من ضمنها جبهة الجولان، ما يقود إلى سيناريو اندلاع حرب شاملة لا تريدها الولايات المتحدة، التي تعتبر أنه “فقط وقف إطلاق نار في قطاع غزة يمكن أن يؤدي إلى حل دبلوماسي في الشمال”. وذلك على عكس موقف وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت الذي اعتبر أنه “ممنوع إنهاء الحرب في غزة في الوضع الراهن بدون تفكيك كامل لحركة حماس”.
لا يبقى أمام نتنياهو إلا افتعال الأزمات داخل “إسرائيل”، أو على الجبهات الخارجية، وقد تكون أحد مصالحه في الذهاب إلى توتير جبهة الشمال لتكون جزءًا من استمرارية حالة المواجهة، والتي يمكن أن توفر له غطاءًا زمانياً لإطالة مدة الحكم والسيطرة على المشهد السياسي الإسرائيلي، أو محاولة توريط الولايات المتحدة الأميركية لتكون هي في واجهة التصدي للأخطار الخارجية، كما جرى في تشكيل الحلف الأمني الدولي لتأمين التجارة في باب المندب والتصدي للمسيّرات والصواريخ التي تطلقها القوات المسلحة اليمنية، إذ إن نتنياهو على قناعة تامة أنه في الوقت الذي ستتوقف فيه الحرب سيكون أمام لجان تحقيق على غرار لجنة “فينوغراد” عام ٢٠٠٦، على إثر الفشل الإسرائيلي في الحرب على لبنان ذاك الوقت. وهنا، يسابق نتنياهو الوقت، بين الأولويات الأميركية، ومجريات الميدان في الجنوب والشمال، وهذا ما يعرفونه في لبنان جيداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى